قد يبدأ النقاش بين سني وإمامي بحديث واحد، ثم يطول من دون أن يقتربا من نتيجة. يحتج أحدهما برواية يراها الآخر غير ثابتة، أو ينقل قولاً لإمام يعدّه حجة دينية بينما يراه محاوره اجتهاداً يحتاج إلى دليل. وفي الحالتين لا يكون الخلاف في معنى الكلام وحده؛ بل في سبب قبوله ابتداءً، وفي المرجعية التي تمنحه سلطته.
من هنا تبدأ هذه السلسلة. فهي تناقش أبرز مسائل الخلاف العقدي مع الإمامية الاثني عشرية من منظور سني، وتعرض أقوالهم من كتب علمائهم قبل نقدها. ولا تنسب معتقدات هذه الفرقة إلى جميع الفرق الشيعية، كما تميّز بين القول الذي يقرره مؤلف، والرواية التي ينقلها، وما يصح وصفه بأنه موقف مذهبي. وفي هذا المقال، يتقدم سؤال واحد على التفاصيل: من أين يؤخذ الدين، ومتى يصبح القول دليلاً ملزماً؟
القرآن مرجع مشترك لا ينهي اختلاف الفهم
يأمر القرآن عند التنازع بالرجوع إلى الله والرسول: «فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ» (النساء، 59). ويربط بيان الوحي بالرسول ﷺ: «لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» (النحل، 44). وتضع هاتان الآيتان أصل المسألة: للنص مرجعية، ولبيانه طريق يحتاج إلى تثبت.
وفي كتاب «عقائد الإمامية» يذكر محمد رضا المظفر القرآن والسنة والإجماع والعقل ضمن أدلة استنباط الأحكام الفرعية. وهذا يبيّن أن تصوير المنهج الإمامي بأنه يستغني عن القرآن ابتداءً لا يوافق هذا التقرير من داخل المذهب (المظفر، عقائد الإمامية، عقيدتنا في الاجتهاد).
لكن الاتفاق على اسم المصدر لا يعني الاتفاق على تفسيره أو شروط الاحتجاج به. قد يتفق الطرفان على آية، ويختلفان في سبب نزولها أو نطاق دلالتها، ثم يحتج أحدهما بتفسير مروي لا يصححه الآخر. ولذلك لا يكفي في البحث أن يقال: هذا القول يستند إلى القرآن. المطلوب بيان موضع الدلالة، والتحقق مما يُستعان به على التفسير، ومناقشة الاحتمالات الأخرى التي يحتملها السياق.
السنة النبوية ومكانة فهم الصحابة
في مطلع «أصول السنة» يقرر الإمام أحمد التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ والاقتداء بهم، ثم يذكر أن السنة تفسر القرآن. وهذا النص يعكس أصلاً بارزاً في المنهج الأثري السني: تلقي الدين من الوحي، والاستعانة بفهم الجيل الذي تلقاه عن الرسول وشهد تنزيله (أحمد بن حنبل، أصول السنة، ص 14–16).
وتبقى السنة النبوية هي المرجع الذي تُوزن به الأقوال. ففي صحيح البخاري، من حديث عائشة رضي الله عنها، يقول النبي ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» (صحيح البخاري، حديث 2697). ومن هذا الأصل يأتي الاعتراض السني على جعل قول شخص بعد النبي ملزماً لذاته من غير برهان يثبت له هذه المنزلة.
ولا يعني الاستشهاد بأحمد أن المدارس السنية تتطابق في جميع طرق النظر. ففي قضايا العقل والكلام وخبر الآحاد وتفاصيل حجية قول الصحابي مباحث وخلافات لا يتسع لها هذا المقال. والمقصود هنا تحديد نقطة المقارنة: التمييز بين السنة الثابتة عن النبي، وفهم العلماء واجتهاداتهم، وعدم افتراض العصمة لكل من نُقل عنه العلم.
حين يشمل تعريف السنة أقوال الأئمة
يظهر موضع الخلاف بوضوح في كتاب «الموجز في أصول الفقه» لجعفر السبحاني. ويشرح السبحاني أن السنة، وفق عرضه لأصول الفقه الإمامي، تشمل قول المعصوم وفعله وتقريره، ولا تختص بالنبي، لأن الأئمة عندهم منصّبون لتبليغ الأحكام الواقعية، وليسوا مجرد رواة عن الرسول. ويؤكد في الوقت نفسه أنهم ليسوا أنبياء ولا رسلاً (السبحاني، الموجز في أصول الفقه، ص 161).
هنا تتغير منزلة القول المنقول. فرواية جعفر الصادق عن النبي تُبحث من جهة ثبوتها ودلالتها، أما قوله في مسألة دينية فيُعامل، وفق هذا التصور، باعتباره قول إمام معصوم إذا ثبت صدوره. ولذلك يتجاوز الخلاف تفضيل طريق رواية على طريق آخر إلى تحديد الأشخاص الذين تعد أقوالهم حجة على المكلف.
ومن المنظور السني، يحتاج هذا الانتقال إلى دليل يثبت التعيين والعصمة وحجية القول. فلا تكفي مكانة الإمام في العلم أو نسبه الشريف وحدهما لإثبات أنه لا يخطئ، كما لا يكفي تعريف السنة تعريفاً يشمله لإثبات صحة التعريف. وفي المقابل، لا يكون الرد دقيقاً إذا وصف هذا التصور بأنه إثبات نبوة للأئمة؛ فالسبحاني ينفي ذلك صراحة، والاعتراض ينبغي أن يتناول السلطة الدينية التي يثبتها لهم بالفعل.
وينطبق الحذر نفسه على مسألة أهل البيت. ففي صحيح مسلم وصية نبوية بتذكير الأمة بحقهم: «أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» (صحيح مسلم، حديث 2408). وهذه الوصية حاضرة في مصدر سني أصيل. لكن الاستدلال بها على تعيين اثني عشر إماماً وعصمتهم يحتاج إلى بحث إضافي؛ فلفظ هذه الرواية وحده لا يذكر أسماءهم ولا يصرح بعصمتهم. ولا يغني ذلك عن دراسة بقية ألفاظ الحديث وطرقه وأدلة الإمامة، وهي موضوع المقال التالي.
وجود الرواية لا يساوي ثبوتها
قد يبدو أسهل طريق في الجدل العثور على رواية مستنكرة في كتاب مشهور، ثم نسبتها إلى جميع أتباع المذهب. غير أن هذا الطريق يخلط بين عمل المصنف في جمع الأخبار، والحكم على أسانيدها، واعتماد مضمونها في الاعتقاد. وهذه مراحل لا يجوز إسقاط بعضها على بعض.
في الجانب السني، يربط ابن حجر صحة الخبر بعدالة ناقليه وتمام ضبطهم واتصال السند وسلامته من العلة والشذوذ. فمجرد وجود الكلام في مصنَّف لا يقوم مقام البحث في هذه الشروط، كما أن صحة نسبته إلى قائله لا تعني تلقائياً صحة كل استنتاج يُبنى عليه (ابن حجر، نزهة النظر، ص 54).
وفي الجانب الإمامي، يشدد أبو القاسم الخوئي على الرجوع إلى علم الرجال لتمييز الروايات المعتبرة من غيرها، ويخصص المقدمة الخامسة من «معجم رجال الحديث» لمناقشة القول بصحة جميع روايات الكتب الأربعة ورفض الاكتفاء به. وهذا يمنع افتراض أن كل إمامي ملزم بقبول كل ما ورد في «الكافي» لمجرد مكانة الكتاب (الخوئي، معجم رجال الحديث، ج 1، ص 19–20 وص 79).
والنتيجة لا تعني أن قواعد التصحيح عند الطرفين واحدة، أو أن نقد الإسناد يحسم وحده جميع الخلافات. لكنها تلزم الكاتب بأن يحدد: من صحح الرواية؟ وبأي معيار؟ وهل خالفه غيره؟ ثم يسأل عن دلالتها واعتمادها. وإذا كان المقصود بيان عقيدة عالم بعينه، فقد يكون نصه التقريري أوضح من رواية ينقلها من غير أن يتبناها.
العقل والإجماع بين الاسم والوظيفة
لا يصح اختزال المقارنة في أن فريقاً يعتمد النص والآخر يعتمد العقل. فالمظفر نفسه يقرر وجوب النظر في أصول الاعتقاد وعدم الاكتفاء بتقليد الآباء، ويفصل ذلك عن تقليد المجتهد في الأحكام العملية. وهذا التفريق يوجب مناقشة أدلة الاعتقاد التي يقدمها، بدلاً من افتراض أن المعتقد الإمامي كله قائم على اتباع المرجع دون نظر (المظفر، عقائد الإمامية، ص 31–34).
أما في البحث السني، فالاعتراض على استدلال عقلي معين لا يستلزم رفض العقل الذي يفهم الدليل ويميز الصحيح من المتناقض. والسؤال في المقارنة هو صحة المقدمات والنتيجة، وحدود ما يمكن إثباته بالعقل، وما يحتاج إلى خبر صادق. فإذا قيل مثلاً إن حفظ الدين يقتضي وجود إمام معصوم، بقي على المستدل أن يثبت هذا الاقتضاء، وأن يبيّن لماذا لا يتحقق الحفظ بوسائل أخرى. وهذا سؤال نقدي يمهد لبحث الإمامة، ولا يحسمه بمجرد طرحه.
ويكشف الإجماع مثالاً آخر على اختلاف الوظيفة رغم اشتراك الاسم. فالخوئي لا يعد اتفاقاً غير كاشف عن قول المعصوم حجة، ويجعل قيمة الإجماع مرتبطة بهذا الكشف (الخوئي، معجم رجال الحديث، ج 1، ص 19–20). ولذلك لا يصح الاحتجاج على الإمامي بإجماع وفق تعريف آخر دون مناقشة أصل حجيته، مثلما لا يصح إلزام السني بقول إمام على أساس عصمة لم يثبتها له.
كيف نناقش المرجعية من غير أن نفترض النتيجة
حين يستدل باحث بكتاب إمامي لتحديد معتقد صاحبه، فهو يثبت نسبة القول إليه، ولا يعلن بذلك صحة كل روايات الكتاب. وحين يرد عليه بحديث صحيح عند أهل السنة، فإنه يبيّن الحجة السنية؛ أما إلزام محاور يرفض طريق الحديث فيحتاج أيضاً إلى مناقشة سبب الرفض أو الاستناد إلى دليل مشترك. والخلط بين شرح الموقف وإقامة الحجة على المخالف يجعل النقاش يدور حول نتائج لم يتفق الطرفان على مقدماتها.
وتظهر هذه المشكلة خصوصاً عند إثبات المرجعية نفسها. فإذا كانت حجية أقوال الإمام متوقفة على ثبوت عصمته، فلا يكفي الاستدلال على عصمته بقوله وحده، ما لم يُثبت صدق هذا الدليل وحجيته بطريق لا يفترض النتيجة مسبقاً. وفي المقابل، لا يجوز إسقاط هذا الاعتراض على كل استدلال إمامي؛ فقد يقدم صاحبه آية أو حديثاً نبوياً أو حجة عقلية، وحينها يناقش كل دليل بحسبه.
من أين يبدأ المقال التالي
الخلاف في مصادر التلقي يتصل بتعريف السنة، وشروط قبول الخبر، والمرجع الذي يفسر النص، والدليل الذي يمنح قوله الإلزام. ومن المنظور السني، تبقى دعوى العصمة والحجية الخاصة لأئمة معينين مطالبة بالبرهان، ولا تتحول إلى مقدمة مشتركة لمجرد ورودها في كتب المذهب.
وهذا ما يجعل الإمامة الخطوة التالية في السلسلة: ما الأدلة التي يستند إليها الإمامية في تعيين الأئمة؟ وهل تدل على المنزلة التي يثبتونها لهم؟ قبل مناقشة النتائج المترتبة على الإمامة، لا بد من قراءة أدلتها في سياقها، والتفريق بين فضل أهل البيت ووجوب محبتهم، وبين إثبات سلطة معصومة لأشخاص محددين.
