مقالفكر وعقيدة8 دقائق قراءة

الإمامة وأدلة التعيين عند الإمامية الاثني عشرية

يفحص المقال دلالة آيات وأحاديث الولاية والغدير والمنزلة والثقلين، ويفصل بين ثبوت فضائل علي وأهل البيت وبين الاستدلال على التعيين والعصمة.

بقلم Shadi AlAzwari

باختصار

  • يعرض المقال اختلاف المنظورين الإمامي والسني في مصدر الإمامة وطريق تعيينها وصلتها بعصمة الإمام.
  • يناقش دلالات آيات الولاية وأولي الأمر وأحاديث الغدير والمنزلة والثقلين على التعيين والمرجعية.
  • يخلص إلى أن ثبوت فضائل علي وأهل البيت لا يكفي وحده لإثبات الأسماء الاثني عشر والعصمة.

حين يرد اسم علي بن أبي طالب رضي الله عنه في كتب الحديث السنية، تتعدد الروايات في فضله وقربه من النبي ﷺ. لكن هذه النصوص نفسها تدخل في نقاش آخر لدى الإمامية: هل تثبت فضيلة ومكانة، أم تعيّن صاحبها إماماً بعد الرسول، وتؤسس لمرجعية دينية معصومة تستمر في أئمة من ذريته؟ هنا يصبح الفرق بين إثبات المنقبة وإثبات المنصب هو موضع البحث.

تناول الجزء الأول مصادر التلقي وشروط قبول الخبر. أما هذا المقال فينتقل إلى الإمامة، فيعرض تصورها عند الإمامية الاثني عشرية، ويناقش من منظور سني نماذج من أبرز أدلتها القرآنية والحديثية. والمقصود تحديد ما يثبته كل نص، وما يحتاج إلى دليل إضافي، مع الفصل بين صحة الرواية وتفسيرها، وبين منزلة أهل البيت ودعوى التعيين والعصمة.

منصب إلهي أم خلافة لحراسة الدين

يقرر محمد رضا المظفر في «عقائد الإمامية» أن الإمامة أصل من أصول الدين، وأنها تقوم على التعيين الإلهي المبلّغ على لسان الرسول أو الإمام السابق، ولا تُترك لاختيار الناس. ويربطها بالحاجة إلى الهداية بعد النبي، ثم يقرر أن الأئمة اثنا عشر، مع تعيين المتقدم منهم لمن بعده (المظفر، عقائد الإمامية، فصول الإمامة والنص وعدد الأئمة).

وفي المقابل يعرّف الماوردي الإمامة بأنها «موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا»، ويبحث انعقادها باختيار أهل الحل والعقد أو بعهد الإمام السابق (الماوردي، الأحكام السلطانية، عقد الإمامة). فالخلاف لا يدور حول حاجة المجتمع إلى قيادة فحسب؛ بل حول طبيعة هذه القيادة، وطريق تعيينها، وما إذا كان صاحبها مرجعاً معصوماً في بيان الدين.

وهذا الفرق يمنع اختزال التصور السني في أن الحكم شأن دنيوي لا صلة له بالدين. فحراسة الدين جزء من تعريف الماوردي نفسه. كما يمنع مساواة العهد السياسي من حاكم إلى من بعده بالنص الإلهي الذي يتحدث عنه الإمامية؛ فالتشابه في تسمية «التعيين» لا يلغي اختلاف مصدر السلطة وشروطها.

آية الولاية بين سبب النزول ودلالة اللفظ

من أشهر الآيات في هذا الباب قوله تعالى: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا» (المائدة، 55). ويستند الاستدلال الإمامي إلى رواية تصدق علي بخاتمه حال الركوع، ثم يربط الحصر في الآية بمعنى الولاية على المؤمنين. يعرض «محاضرات في الإلهيات» هذا الاستدلال بوصف الآية دليلاً على تنصيبه (الرباني الكلبايكاني، محاضرات في الإلهيات، آية الولاية).

لكن الاعتراض السني يبدأ من مرحلتين منفصلتين. الأولى ثبوت سبب النزول؛ فقد ذكر ابن كثير روايات الخاتم، وانتقد أسانيد عدد منها، وضعّف طرقاً أوردها ابن مردويه. لذلك لا تكفي عبارة «وردت في كتب التفسير» لإثبات أن تلك الكتب تصحح الرواية؛ فالمفسر قد ينقل الخبر ثم يضعفه (ابن كثير، تفسير المائدة، 55).

والثانية معنى الولاية. يفسر ابن كثير الآية في سياق موالاة الله ورسوله والمؤمنين، لا في تعيين حاكم بعينه. وحتى لو صح سبب نزول خاص، يبقى السؤال قائماً: هل لفظ الآية يدل على خلافة علي بعد النبي مباشرة، أم يقرر فضله ودخوله في ولاية المؤمنين؟ ثم إن إثبات خصوصية لعلي لا يحدد وحده أسماء الأئمة اللاحقين أو عصمتهم. وهذه مطالب متمايزة ينبغي ألا تُجمع في نتيجة واحدة قبل إقامة الدليل على كل منها.

أولو الأمر وحدود الطاعة

ويأتي الاستدلال بقوله تعالى: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» (النساء، 59). وفي قراءة الطباطبائي، يدل إطلاق الأمر بالطاعة على عصمة أولي الأمر؛ إذ لا يأمر الله بطاعة مطلقة لمن يجوز أن يأمر بمعصية. وهو يميز هذه الطاعة عن طاعة القادة التي تقبل التقييد، مستدلاً بجمع الرسول وأولي الأمر في الأمر بالطاعة (الطباطبائي، الميزان، تفسير آية أولي الأمر).

أما ابن كثير فيرجح شمول أولي الأمر للأمراء والعلماء، ويورد النصوص التي تقيد الطاعة بالمعروف. وفي صحيح البخاري، في خبر الأمير الذي أمر أصحابه بدخول النار، جاء الحكم النبوي بأن «الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» (ابن كثير، تفسير النساء، 59؛ صحيح البخاري، حديث 7145).

وبناءً على هذا الفهم السني، يكون وجوب الطاعة مقيداً بحدود الشرع، فلا يلزم منه أن يكون المطاع معصوماً. كما أن الآية نفسها تأمر عند التنازع بالرد إلى الله والرسول. ويبقى على الاستدلال الإمامي أن يثبت أن المراد بأولي الأمر أشخاص معينون، وأن إطلاق الطاعة هنا لا يقبل هذا التقييد. فدعوى العصمة وتحديد أصحابها خطوتان، ولا يغني إثبات إحداهما عن الأخرى.

حديث الغدير وما الذي تعنيه الموالاة

روى الترمذي عن النبي ﷺ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ»، وقال: حديث حسن غريب (جامع الترمذي، حديث 3713). وهذا يكفي لبيان أن أصل هذه العبارة ليس خبراً تختص به الكتب الإمامية، وأن مناقشتها لا تبدأ بإنكار وجودها في المصادر السنية.

وتستند القراءة الإمامية إلى قرائن تتجاوز كلمة «مولى» منفردة؛ منها ما يورده «محاضرات في الإلهيات» من مقدمة السؤال عن أولوية النبي بالمؤمنين، ثم تفريع الموالاة لعلي عليها. ومن ثم يُفهم الحديث عندهم على أنه إعلان للولاية العامة (الرباني الكلبايكاني، محاضرات في الإلهيات، دلالة حديث الغدير).

في المقابل، يذكر «لسان العرب» تعدد معاني المولى، ومنها الناصر والمحب والسيد، وأن تعيين المراد يتبع السياق (ابن منظور، لسان العرب، مادة ولي). ولذلك لا يحسم المعجم وحده الخلاف لصالح أي طرف؛ بل يحتاج المستدل إلى إثبات اللفظ الذي يحتج به والقرائن المصاحبة له، ثم بيان وجه دلالتها على الخلافة.

والاعتراض السني هنا أن وجوب موالاة علي وتعظيم حقه لا يستلزم بذاته تعيينه خليفة بعد النبي مباشرة. وحتى إذا قُرئت الموالاة بمعنى أوسع من المحبة، فلا بد من بيان امتدادها الزمني وعلاقتها بتولي الحكم. كما لا يصح إلحاق كل زيادة تُروى في خطبة الغدير بدرجة العبارة التي حسنها الترمذي؛ فلكل طريق ولفظ بحثه. وهكذا يكون النقاش في مدلول حديث مقبول، لا في المفاضلة بين حب علي ورفض فضله.

حديث المنزلة وسياق تبوك

في صحيح البخاري أن النبي ﷺ خرج إلى تبوك واستخلف علياً، فقال له: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى»، ثم استثنى النبوة بعده (صحيح البخاري، حديث 4416). والحديث صحيح، ويحتج به الإمامية على منزلة تتجاوز الاستخلاف المؤقت، باعتبار استثناء النبوة قرينة على سعة ما يثبت لعلي من منازل هارون (الرباني الكلبايكاني، محاضرات في الإلهيات، حديث المنزلة).

لكن النووي ينقل في شرحه لصحيح مسلم عن القاضي عياض أن الحديث يثبت فضيلة لعلي، ولا يدل على استخلافه بعد وفاة النبي، مستنداً إلى سياقه في استخلافه بالمدينة أثناء غزوة تبوك (النووي، شرح صحيح مسلم، حديث المنزلة).

ويتركز الخلاف هنا في عموم التشبيه. فالاستدلال الإمامي يوسّع المنزلة مع استثناء النبوة، بينما يربط الرد السني وجه التشبيه بالاستخلاف في غياب النبي. ولا يلزم من كل تشبيه الاشتراك في جميع الصفات؛ وإنما يحدد السياق والدليل ما يدخل فيه. لذلك يثبت الحديث مكانة عظيمة لعلي، وتبقى دلالته على التعيين بعد الوفاة محل نزاع، لا نتيجة يتفق عليها الطرفان بمجرد تصحيح الحديث.

حديث الثقلين وضرورة قراءة ألفاظه

في صحيح مسلم وصية بكتاب الله، ثم تذكير بحق أهل البيت. وفي جامع الترمذي رواية تجمع الكتاب والعترة في الوصية بالتمسك، وقد وصفها الترمذي بأنها حديث حسن غريب (صحيح مسلم، حديث 2408؛ جامع الترمذي، حديث 3788). وعليه، لا يصح رد الاستدلال كله بالقول إن جميع ألفاظ الحديث تقتصر على المحبة وحدها؛ فالألفاظ المعتمدة في المناقشة تحتاج إلى تمييز.

وتجعل الكتابة الإمامية حديث الثقلين من أدلة المرجعية الدينية لأهل البيت (الإمامة الإلهية في الأحاديث النبوية الشريفة، موقع العتبة الحسينية). أما المناقشة السنية فتسأل عن المقصود بالعترة، وعن وجه الانتقال من الوصية بها والأخذ بهدي علمائها إلى عصمة أشخاص معينين وإمامتهم الحصرية.

فالأخذ بعلم أهل البيت واحترامهم لا يتعارضان مع المنهج السني. ومحل الاعتراض هو أن تُجعل هذه الوصية وحدها دليلاً كافياً على تحديد اثني عشر شخصاً، وإثبات العصمة لكل واحد منهم. والروايتان المذكورتان لا تسردان أسماءهم. فإذا استند التحديد إلى نصوص أخرى، وجب فحصها أيضاً، بدلاً من تحميل هذا اللفظ وحده جميع نتائج المذهب.

اثنا عشر خليفة والفرق بين العدد والأسماء

يروي مسلم عن جابر بن سمرة خبراً عن اثني عشر خليفة، وأنهم من قريش (صحيح مسلم، حديث 1821). وفي «عقائد الإمامية» يقرر المظفر أن الأئمة اثنا عشر معينون، ويذكر تسلسلهم من علي إلى الإمام الثاني عشر (المظفر، عقائد الإمامية، عدد الأئمة).

لكن موافقة العدد ليست وحدها دليلاً على تعيين الأسماء؛ فحديث مسلم المذكور لا يسردها، ولا يصرح بعصمة هؤلاء الخلفاء. ولذلك يلزم الاستدلالَ إثباتُ انطباق أوصاف الحديث على القائمة الإمامية بأدلة مستقلة. كما أن اختلاف الشراح في تحديد المقصودين، إن أثير في النقاش، لا يحوّل أحد التفسيرات تلقائياً إلى تفسير ثابت. فضعف جواب بديل لا يقوم مقام البرهان على الجواب المختار.

هل تكفي الأدلة مجتمعة

قد يقول المستدل الإمامي إنه لا يبني النتيجة على نص منفرد، بل على مجموع الآيات والأحاديث. وهذا اعتراض يستحق النظر؛ فالقرائن قد يقوي بعضها بعضاً. لكن جمع النصوص لا يلغي الحاجة إلى بيان الصلة بين ما تثبته والنتيجة المطلوبة، ولا يجعل الرواية الضعيفة صحيحة بمجرد ضمها إلى فضيلة ثابتة لا تتناول التعيين.

ومن المنظور السني، تثبت النصوص الصحيحة المذكورة فضائل لعلي وأهل البيت وحقوقاً لهم، ولا تكفي على الوجه الذي نوقشت به هنا لإثبات منظومة الإمامة الاثني عشرية بكل عناصرها. أما الحكم التفصيلي على كل ما استُدل به في هذا الباب فيحتاج إلى بحث أوسع من مقال واحد؛ ويظل الاعتراض المحدد هو الانتقال من الفضل والموالاة إلى النص الإلهي الحصري والعصمة وتسلسل الأسماء دون برهان يثبت كل خطوة.

وهذا يعيدنا إلى سؤال المرجعية الذي بدأ في الجزء الأول: إذا ثبت لشخص منصب في القيادة أو فضل في الدين، فهل يقتضي ذلك أنه لا يخطئ في قوله وفعله؟ هنا يبدأ الجزء الثالث، عن عصمة الأئمة وحدود علمهم وحجية أقوالهم، مع إبقاء البحث في منزلة الأشخاص منفصلاً عن الحكم على أتباع المذهب.

جارٍ تحميل التعليقات…

يصلك الجديد بالبريد

بلا حساب، وتلغيه بضغطة من أي رسالة.

متى يصلك؟

نحفظ بريدك واختيارك فقط لإرسال النشرة. سياسة الخصوصية

المهدي والغيبة والرجعة

يفصل المقال بين ما تثبته أحاديث خروج المهدي وما يحتاج إلى أدلة مستقلة، ويناقش الغيبة والرجعة وطول العمر بوصفها دعاوى عقدية متمايزة.

التوحيد والدعاء والتوسل والاستغاثة

يفصل المقال بين سؤال الله بوسيلة مختلف فيها، وطلب الشفاعة، والاستغاثة بالغائبين، مع عرض أدلة متباينة والتنبيه إلى أن بعض صور الخلاف قائمة داخل التراث السني.