مقالفكر وعقيدة8 دقائق قراءة

عصمة الأئمة وحدود علمهم عند الإمامية الاثني عشرية

يفصل المقال بين عصمة الإمام وصحة الرواية المنسوبة إليه، ويناقش دلالة آية التطهير وعهد إبراهيم وحدود العلم بالغيب في التصور الإمامي.

بقلم Shadi AlAzwari

باختصار

  • يعرض المقال تعريف المظفر لعصمة الإمام بوصفها حفظاً من المعاصي والسهو والخطأ والنسيان.
  • يفرق بين إمكان اطلاع الإمام على بعض الغيب بإعلام الله وبين إثبات علم شامل له.
  • يشدد المقال على ضرورة الفصل بين حجية قول الإمام وثبوت الرواية المنسوبة إليه ودلالتها.

قد يثق القارئ بعالم لجودة علمه واستقامته، ثم يرجح دليلاً يخالف رأيه من غير أن يرى في ذلك انتقاصاً منه. لكن الأمر يختلف حين يُعتقد أن هذا العالم معصوم، وأن قوله إذا ثبت صدوره لا يحتمل الخطأ. عندها يتغير السؤال من ترجيح الاجتهاد إلى التثبت من النقل وفهم المراد؛ لأن احتمال الخطأ في أصل القول قد استُبعد مسبقاً.

في الجزء الثاني ناقشنا أدلة التعيين في الإمامة. أما هنا فنبحث الصفة التي تمنح قول الإمام هذه الحجية الخاصة: العصمة. ما حدودها في التصور الإمامي؟ وهل تستلزم علماً بالغيب؟ وكيف يناقش المنهج السني أدلتها من غير أن يخلط بينها وبين عصمة الأنبياء في تبليغ الوحي، أو ينسب إلى أصحابها قولاً لم يقرروا به؟

ما المقصود بالعصمة هنا

يقرر محمد رضا المظفر أن الإمام محفوظ من الرذائل والمعاصي من الطفولة إلى الموت، ومن السهو والخطأ والنسيان، ويربط ذلك بكون الأئمة حفظة للشرع. ويجعل دليل عصمتهم من جنس الدليل الذي يستند إليه في عصمة الأنبياء (المظفر، عقائد الإمامية، عصمة الإمام).

فالعصمة في هذا التقرير تتجاوز العدالة والورع وسعة العلم. وهي لا تعني أن الإمام يصيب غالباً أو أنه أعلم من غيره، بل تستبعد عنه الخطأ والسهو. ولذلك لا يكفي للرد عليها إثبات أن البشر قد يبلغون منزلة عالية في التقوى، كما لا يكفي لإثباتها الاستشهاد بفضيلة لا تتناول هذا المعنى الخاص.

ومن المنظور السني، يبقى الانتقال من حفظ الوحي إلى عصمة شخص بعد النبي محتاجاً إلى برهان. فالاتفاق على أن الدين يجب أن يُحفظ لا يثبت وحده أن وسيلة حفظه تنحصر في إمام معين لا يخطئ. وإثبات حاجة الناس إلى العلماء والقادة أمر، وإثبات العصمة لكل قول يصدر عن أحدهم أمر آخر.

هل تتوقف الثقة بالدين على عصمة كل ناقل

تعرض الكتابات الإمامية حجة مفادها أن الإمام حافظ للشريعة، وأن جواز الخطأ عليه يستدعي من يصححه؛ فلا يتحقق الغرض من مرجعيته على الوجه المطلوب إلا بعصمته (الرباني الكلبايكاني، محاضرات في الإلهيات، وجوب العصمة في الإمام).

لكن هذه الحجة تفترض أن المرجع لا يؤدي وظيفته إلا إذا استُبعد الخطأ عنه تماماً. وفي صحيح البخاري أن الحاكم المجتهد قد يصيب فيكون له أجران، وقد يخطئ فيكون له أجر (صحيح البخاري، حديث 7352). فالحديث يقر إمكان اجتهاد معتبر لا يلزم من اعتباره إصابة كل حكم، مع بقاء شروط الأهلية وبذل الوسع؛ وليس إذناً لأي شخص أن يتكلم في الدين بلا علم.

وهذا يوضح أصل الاعتراض السني: إمكان الخطأ لا يبطل العلم كله، بل يوجب فحص الأدلة وتصحيح الاجتهاد. ويمكن أن تُحفظ المعرفة بالنقل المتعدد والنقد والمراجعة، من غير أن يستلزم ذلك عصمة كل ناقل أو فقيه. أما القول بأن حفظ الشريعة لا يتحقق إلا بالنموذج الإمامي، فيحتاج إلى إثبات هذا الحصر، لا الاكتفاء بوصف الحفظ بأنه مطلوب.

آية التطهير بين الفضيلة والعصمة الشاملة

يقول الله تعالى: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» (الأحزاب، 33). وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ أدخل علياً وفاطمة والحسن والحسين في كساء، ثم تلا الآية (صحيح مسلم، حديث 2424). ولذلك فإن دخول هؤلاء في أهل البيت وفضلهم لا يحتاج إلى إنكار الحديث أو تجاهل وجوده في المصدر السني.

ويربط المظفر مكانة الأئمة بكونهم ممن أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم. وفي المقابل، يقرأ ابن كثير الآية مع سياق خطاب أزواج النبي، ويثبت دخولهن، ولا يحصر مدلولها فيهن دون من جاءت الأحاديث بإدخاله (المظفر، عقائد الإمامية، طاعة الأئمة؛ ابن كثير، تفسير الأحزاب، 33).

ومحل البحث بعد ذلك هو مدى الدلالة. فإثبات التطهير والفضل لا يجيب وحده عن كل تفصيل في العصمة المدعاة: هل يشمل نفي النسيان في جميع الأحوال؟ وهل يثبت العلم الذي لا يخطئ؟ وكيف يمتد إلى بقية الأئمة المعينين في المذهب؟ هذه نتائج تحتاج إلى بيان الصلة بينها وبين النص، ولا يكفي أن تُدرج كلها تحت كلمة التطهير.

وهذا اعتراض على توسيع الدلالة، لا على منزلة أهل الكساء. كما أن اختلاف الطرفين في نطاق أهل البيت ينبغي بحثه بأدلته، فلا يُفترض تفسير أحدهما مقدمة مشتركة ثم تُبنى عليه بقية النتائج.

عهد إبراهيم وهل ينفي كل خطأ

ومن أدلة العصمة قوله تعالى لإبراهيم: «لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» (البقرة، 124). ويعرض «محاضرات في الإلهيات» استدلالاً يمنع من الإمامة من وقع منه ظلم في أي مرحلة، ولو تاب بعده، ويستنتج ضرورة الطهارة من الذنوب طوال زمن التكليف (الرباني الكلبايكاني، محاضرات في الإلهيات، آية ابتلاء إبراهيم).

أما ابن كثير فيورد في تفسير الآية أن الظالم لا يُقتدى به في ظلمه، وينقل أقوالاً في معنى العهد ونطاقه (ابن كثير، تفسير البقرة، 124). ومن ثم يحتاج الاستدلال إلى مناقشة ما إذا كان وصف الظلم في هذا الموضع يشمل من تاب قبل تولي الإمامة، أم يتعلق بمن هو متلبس به. ولا تُحسم هذه المسألة بمجرد تكرار لفظ الآية دون بحث مدلوله.

ثم إن منع الظالم من المنصب لا يساوي تلقائياً نفي السهو والنسيان؛ فليست كل غفلة ظلماً أو معصية. وحتى لو سُلّم بالاستدلال على اجتناب الذنوب، بقي إثبات العصمة من كل خطأ معرفي أو سهو عملي مطلباً آخر. وهنا تظهر ضرورة التفريق بين أجزاء الدعوى بدل التعامل مع العصمة وكأنها معنى واحد تثبته أي آية في العدالة أو الطهارة.

السهو وبشرية النبي

في صحيح البخاري، في خبر السهو في الصلاة، يقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» (صحيح البخاري، حديث 401). وفي هذا النص أساس سني للتفريق بين وقوع السهو الذي يُبيَّن حكمه ويُصحَّح، وبين تحريف الوحي أو ترك الخطأ في بيان الدين من غير تصحيح.

ولذلك لا يصح اختزال الموقف السني في تجويز الكذب على الأنبياء أو فساد تبليغهم. فالحديث نفسه يتضمن التنبيه والتصحيح وتعليم حكم السهو. كما أن إثبات هذا القدر من البشرية لا يسوغ نقل جميع صور الخطأ إلى الأنبياء بلا تفصيل؛ فلكل باب أدلته.

وفي التراث الإمامي نفسه مثال مهم على اختلاف التفصيل. فقد أثبت الصدوق في «من لا يحضره الفقيه» السهو في الصلاة على نحو ينسبه إلى إسهاء إلهي لحكمة التعليم وإظهار البشرية، وميّزه من الخلل في التبليغ. وفي المقابل صنف الحر العاملي «التنبيه بالمعلوم» في نفي السهو ومناقشة هذا الاتجاه (الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مسألة سهو النبي؛ الحر العاملي، التنبيه بالمعلوم).

ولا يعني ذلك أن الصدوق ينكر أصل العصمة، أو أن مذهبه في السهو يطابق التصور السني بكل تفاصيله. لكنه يمنع عرض نفي السهو باعتباره قولاً لم يعرف التراث الإمامي أي مخالفة له. ومن دقة النقد أن يُنسب كل تقرير إلى صاحبه، مع بيان موضع الاتفاق والاختلاف.

علم الإمام والغيب المستفاد

يذكر المظفر أن الإمام يتلقى العلم من النبي أو الإمام السابق، وأنه قد يعلم المستجدات بطريق الإلهام، ويصيب حقيقتها إذا توجه إليها وشاء معرفتها. وهذا تقرير لعلم مستفاد، لا لعلم ذاتي مستقل عن الله (المظفر، عقائد الإمامية، صفات الإمام وعلمه).

ويزيد الشيخ المفيد المسألة تحديداً في «أوائل المقالات»: يقرر معرفة الأئمة ببعض الضمائر وما سيقع بإعلام الله، ولا يجعل ذلك شرطاً عقلياً في الإمامة. ويرفض إطلاق علم الغيب إذا أريد به علم الأشياء بالنفس لا بعلم مستفاد (المفيد، أوائل المقالات، القول 41).

وعليه، يكون الرد غير دقيق إذا نسب إلى هذا التقرير مساواة علم الإمام بعلم الله الذاتي. لكن تصحيح النسبة لا يثبت تلقائياً جميع دعاوى العلم؛ إذ يبقى السؤال عن الدليل الذي يثبت ما أُعلم به شخص معين وحدود ذلك العلم. فإمكان أن يطلع الله عبداً على أمر خفي لا يعني ثبوت اطلاعه على كل أمر، ولا أنه يعلم كلما شاء.

ويقول القرآن على لسان النبي ﷺ: «وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ» (الأعراف، 188). ويشرح ابن كثير أن النبي لا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، كما يقرر في تفسير سورة الجن أن الإطلاع تابع لمشيئة الله (ابن كثير، تفسير الأعراف، 188 وتفسير الجن، 26–27). فموضع الاعتراض السني ليس إمكان الإخبار ببعض الغيب، بل تعميم هذه المعرفة لشخص بعد النبي دون دليل يثبت مقدارها وطريقها.

من عصمة القول إلى صحة الرواية

تترتب على العصمة حجية خاصة. فالمظفر يقرر وجوب التسليم للأئمة والأخذ بقولهم، ويجعل الرجوع إليهم طريقاً لمعرفة الأحكام (المظفر، عقائد الإمامية، طاعة الأئمة). لكن هذا لا يعني أن كل كلام نُسب إلى أحدهم قد ثبت عنه؛ فإثبات صفة للقائل لا يصحح إسناد الناقل.

وهنا تعود قاعدة الجزء الأول: يجب الفصل بين أصل حجية قول الإمام، وصحة نسبة خبر إليه، ودلالة الخبر على المسألة. وقد ينازع الباحث في واحدة من هذه المراحل دون الأخرى. فإذا كان الاستدلال على العصمة مبنياً على رواية عن الإمام نفسه، وجب بيان وجه حجيتها بطريق لا يفترض عصمته مسبقاً؛ أما الآية أو الحديث النبوي أو الحجة العقلية فتُناقش بحسب دليلها.

ومن المنظور السني، لا تكفي النصوص التي تثبت الفضيلة أو الطهارة لإثبات العصمة الشاملة وحدود العلم المذكورة من غير بيان إضافي. وفي الوقت نفسه، لا يقوى النقد بالتعميم أو بنقل رواية غريبة ثم جعلها معتقداً لكل إمامي. قوته في ضبط القول، وفحص دليله، وتحديد الخطوة التي لا تلزم من مقدماته.

ومع هذا الفرق في المرجعية، يبرز سؤال آخر: كيف ينعكس الموقف من حملة الرواية الأوائل على قبول السنة؟ هذا موضوع الجزء الرابع، عن الصحابة وأمهات المؤمنين وأثر الموقف منهم في نقل الدين.

جارٍ تحميل التعليقات…

يصلك الجديد بالبريد

بلا حساب، وتلغيه بضغطة من أي رسالة.

متى يصلك؟

نحفظ بريدك واختيارك فقط لإرسال النشرة. سياسة الخصوصية

المهدي والغيبة والرجعة

يفصل المقال بين ما تثبته أحاديث خروج المهدي وما يحتاج إلى أدلة مستقلة، ويناقش الغيبة والرجعة وطول العمر بوصفها دعاوى عقدية متمايزة.

التوحيد والدعاء والتوسل والاستغاثة

يفصل المقال بين سؤال الله بوسيلة مختلف فيها، وطلب الشفاعة، والاستغاثة بالغائبين، مع عرض أدلة متباينة والتنبيه إلى أن بعض صور الخلاف قائمة داخل التراث السني.