يظهر اسم المهدي في المصادر السنية والإمامية، لكن الاشتراك في الاسم لا يجعل التصورين متطابقين. فالإيمان بخروج رجل من أهل البيت يقيم العدل في آخر الزمان يختلف عن الاعتقاد بأنه شخص ولد في القرن الثالث الهجري، وتولى الإمامة، وما يزال حياً غائباً. وتضاف إلى ذلك عقيدة الرجعة، التي تتعلق بعودة بعض الأموات إلى الدنيا قبل القيامة.
بعد بحث التوحيد والدعاء، تصل السلسلة إلى هذه القضايا المرتبطة بالغيب. ويتركز النقد السني هنا على ضرورة إقامة الدليل لكل دعوى على حدة؛ فلا تكفي أحاديث المهدي العامة لإثبات تعيينه بمحمد بن الحسن، ولا تكفي قدرة الله على إطالة العمر أو إحياء الموتى لإثبات وقوع كل خبر ينسب إلى ذلك. كما لا يصح رد أخبار المهدي الثابتة لمجرد مخالفة التصور الإمامي في هويته وغيبته.
ما تثبته أخبار المهدي في المصادر السنية
يروي أبو داود عن أم سلمة قول النبي ﷺ: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة»، وقد صححه الألباني (سنن أبي داود، حديث 4284). ويروي عن ابن مسعود خبر رجل من أهل بيت النبي يوافق اسمه اسمه؛ وحكم الألباني على الحديث بأنه حسن صحيح (سنن أبي داود، حديث 4282). وهذه نصوص ينبغي تمييزها عن الأخبار الواهية والتفاصيل التي تتداول دون تحقيق.
ويقرر ابن باز ثبوت أصل خروج المهدي بالأحاديث الصحيحة والحسنة، مع تنبيهه إلى أن المرويات في الباب تتفاوت، فمنها الصحيح ومنها الضعيف والموضوع (ابن باز، صحة ظهور المهدي). فلا يلزم من قبول أصل البشارة قبول كل علامة أو قصة تلحق بها، ولا من تضعيف خبر معين إنكار جميع أحاديث الباب.
وموضع الاستدلال هنا محدد؛ فهذه الأخبار تثبت وصفاً ونسباً وبشارة مستقبلية، ولا تسمي محمد بن الحسن العسكري، ولا تنص على أنه مولود منذ قرون وباقٍ إلى اليوم. ولذلك يكون الانتقال من إثبات المهدي إلى إثبات الهوية الإمامية انتقالاً إلى دعوى أخرى، تحتاج إلى دليل يخصها.
كيف تعيّن الإمامية الإمام المنتظر؟
يقرر محمد رضا المظفر أن المهدي عند الإمامية هو محمد بن الحسن العسكري، وأنه ولد وبقي حياً، وأن الإمامة لا تنقطع وإن كان الإمام محتجباً (المظفر، عقائد الإمامية، المهدي). فالمسألة في هذا التصور تتصل باستمرار سلسلة الأئمة، وتتجاوز مجرد انتظار مصلح في المستقبل.
وتعرض مكتبة المعارف الإسلامية في كتاب المهدي الموعود مرحلة توليه الإمامة بعد وفاة الحسن العسكري سنة 260هـ، ثم الانتقال من الغيبة الصغرى إلى الكبرى مع وفاة السفير الرابع سنة 329هـ (المعارف الإسلامية، المهدي الموعود). وهذه معالم التصور الذي يحتاج إلى المناقشة، أما اختلاف بعض التفاصيل التاريخية فيبحث في موضعه دون جعله بديلاً عن أصل المسألة.
ومن المنظور السني، يلزم فحص أخبار الولادة والتعيين والغيبة بأسانيدها ودلالاتها، ولا تكفي إحالتها إلى كتاب إمامي لإلزام من لا يصححها. وفي المقابل، لا يكون عرضها منصفاً إذا قيل إن الإمامية يعتقدون ذلك بلا مرويات؛ فوجود الأخبار شيء، وثبوتها وحجيتها بين المختلفين شيء آخر.
هل حديث الاثني عشر يحسم التعيين؟
يستدل كتاب المهدي الموعود أيضاً بحديث الاثني عشر الوارد في الصحيح. وفي رواية البخاري يقول النبي ﷺ «يكون اثنا عشر أميراً»، ثم يرد أنهم من قريش (صحيح البخاري، حديثا 7222 و7223). وثبوت هذا الحديث لا محل لإنكاره من جهة وروده في الصحيح.
لكن النص المذكور لا يسرد أسماء الأئمة، ولا يذكر الغيبة، ولا يصف ثاني عشرهم بأنه ابن الحسن العسكري. فالقول بانطباقه على القائمة الإمامية تفسير يحتاج إلى قرائن، وليس هو لفظ الحديث نفسه. ولا يلزم لحسم هذه النقطة أن يحسم المقال جميع أقوال الشراح في تعيين الأمراء؛ إذ يكفي بيان أن العدد وحده لا يثبت الأسماء والصفات المضافة إليه.
وهنا تتصل المسألة بما نوقش في جزء الإمامة: إذا كان تعيين الأئمة محل النزاع، فلا يصح افتراضه مقدمة متفقاً عليها لإثبات الإمام الغائب. بل ينبغي تقديم الحجة التي تثبت التعيين، ثم بحث ما يصح بناؤه عليها.
طول العمر بين القدرة والدليل
يستدل المظفر على إمكان طول حياة المهدي بما أخبر به الوحي من طول عمر نوح وبقاء عيسى، ويرى أن بقاء الإمام معجزة (المظفر، عقائد الإمامية، المهدي). والقرآن يذكر أن نوحاً لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً (العنكبوت، 14). ولذلك لا يستقيم جعل متوسط أعمار الناس حداً لقدرة الله.
لكن إثبات القدرة يرفع دعوى الاستحالة، ولا يثبت وحده أن شخصاً معيناً قد مُنح هذا العمر. فالاستدلال بطول حياة نوح يثبت إمكان العمر الطويل، بينما إثبات استمرار حياة محمد بن الحسن يتطلب خبراً تقوم به الحجة في شأنه. وهذا التفريق يحفظ الإيمان بالمعجزة، ويمنع في الوقت نفسه تصحيح كل دعوى خارقة لمجرد إمكانها.
ويشمل ذلك حكايات اللقاءات والمشاهدات؛ فلا يكفي صدق الراوي في ظنه لإثبات هوية من لقيه، فضلاً عن بناء أصل عقدي ملزم على الحكاية. وتحتاج الأخبار المنقولة إلى بحث مصدرها وطرقها وقرائنها، دون أن يتحول الاستبعاد إلى برهان، أو تتحول الرغبة في التصديق إلى توثيق.
الإمامة في زمن الغيبة
تثير الغيبة سؤالاً يتصل بالغاية من الإمامة: إذا كانت الحاجة إلى الإمام المعصوم تتمثل في رفع الاختلاف وبيان الأحكام، فكيف تتحقق هذه الوظيفة حين لا يتمكن عموم الناس من الرجوع إليه مباشرة؟ والسؤال هنا عن دلالة الغيبة على البرهان الذي أقيم لضرورة الإمام، لا عن قدرة الله على إخفائه أو إبقائه.
ويقرر مكتب السيستاني أن المهدي هو الإمام المنصوب في العصر الحاضر، وأن الحكمة اقتضت غيبته. كما يوجه أتباعه إلى تعلم الأحكام والرجوع إلى الفقهاء، ويحذر من ادعاء النيابة الخاصة وتوقيت الظهور (السيستاني، نصائح زمن الغيبة). وهذا يبين أن المرجعية المعاصرة تقدم طريقاً للعمل في غيبته، ولا تدعو إلى تعطيل التكاليف انتظاراً له.
ويبقى الاعتراض السني: إذا كان الوصول إلى الأحكام في هذه المرحلة يتم عبر النصوص والفقهاء واجتهاداتهم، فإن ضرورة حضور مرجع معصوم متاح للناس تحتاج إلى إعادة تحرير. وقد يجيب الإمامي بأن للإمام وظائف أخرى لا تتوقف على ظهوره؛ لكن إثبات تلك الوظائف يتطلب دليلاً، ولا يحل بمجرد تقريرها إشكال الاستدلال الأول القائم على رفع اختلاف المكلفين.
ما المقصود بالرجعة؟
يعرّف المظفر الرجعة بإعادة الله جماعة من الأموات إلى الدنيا عند قيام المهدي، لينتصر المظلومون ويجازى الظالمون، ثم يموت هؤلاء قبل النشور العام. ويخصها بمن بلغ منزلة عالية في الإيمان أو غاية في الفساد (المظفر، عقائد الإمامية، الرجعة).
وبهذا تختلف الرجعة عن البعث يوم القيامة، كما تختلف عن التناسخ الذي ينقل الروح إلى جسد آخر؛ فالتصور المعروض يتحدث عن عودة أشخاص إلى حياتهم الدنيوية. ونقده ينبغي أن يتناول هذه الدعوى المحددة، دون اختزالها في معتقد آخر لا يقرره النص.
ولا ينازع المسلم في قدرة الله على إحياء الموتى قبل القيامة؛ فقد أخبر القرآن عن الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه (البقرة، 259). لكن وقوع حادثة منصوص عليها لا يثبت تلقائياً رجعة مخصوصة عند ظهور المهدي. فإثبات الاستثناء في خبر صحيح لا يغني عن الدليل على استثناء آخر.
آية الموتتين والحياتين
يورد المظفر في سياق الرجعة قوله تعالى «قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين» (غافر، 11). وفي المقابل، يرجح ابن كثير تفسيرها على ضوء آية البقرة التي تذكر كون الناس أمواتاً ثم إحياءهم، ثم إماتتهم، ثم إحياءهم للرجوع إلى الله (ابن كثير، تفسير غافر، 11؛ البقرة، 28).
وعلى هذا التفسير، لا تحتاج الآية إلى افتراض عودة قوم إلى الدنيا في عصر المهدي؛ إذ تتناول حالهم قبل الحياة الدنيوية، ثم حياتهم، ثم الموت والبعث. ولذلك لا يكون تعداد الموتتين والحياتين نصاً صريحاً في الرجعة الإمامية، ويحتاج حمله عليها إلى قرينة إضافية.
وينطبق المعيار نفسه على الأخبار التي تذكر أشخاصاً أو أحداثاً في الرجعة: لا يصح نقل تفصيل من رواية ثم جعله معتقداً ملزماً لجميع الإمامية دون معرفة درجتها وموقف علمائهم منها. كما لا يصح جعل رغبة الإنسان في إنصاف المظلوم دليلاً مستقلاً على وقوع مشهد غيبي بعينه.
انتظار العدل والعمل في الحاضر
ينص المظفر على أن انتظار المهدي لا يسقط واجباً ولا يؤجل العمل بالأحكام. ويؤكد مكتب السيستاني الصدق والإحسان وأداء الحقوق، ويحذر من استغلال التعلق بالإمام في دعاوى السفارة وتطبيق علامات الظهور بلا تمحيص (المظفر، عقائد الإمامية، المهدي؛ السيستاني، نصائح زمن الغيبة؛ السيستاني، جواب دعاوى السفارة).
وهذه نصوص تمنع وصف الانتظار الإمامي كله بأنه دعوة إلى السلبية، مع بقاء الخلاف في هوية المنتظر وغيبته ورجعته. والتصحيح الذي يدعو إليه المنظور السني هو قبول ما ثبت من أخبار المهدي، والتوقف عن إضافة تعيين أو غيبة ممتدة أو رجعة خاصة دون حجة معتبرة، مع العمل بالواجبات التي لا تتوقف على تحقق خبر مستقبلي.
وفي الجزء السابع تنتقل السلسلة إلى البداء والتقية والموقف من سلامة القرآن، مع تحرير المقصود بكل مسألة والتمييز بين الروايات المنقولة والعقائد التي يقررها العلماء.
