قد تبدو المسافة قصيرة بين قول المسلم: «اللهم اشفني»، وقوله: «اللهم إني أسألك بجاه نبيك»، وندائه ولياً ليكشف عنه الضر. لكن جمع هذه العبارات في حكم واحد يخفي موضع الخلاف، ويجعل النقاش يبدأ بالاتهام قبل فهم المقصود. فالأولى دعاء لله، والثانية دعاء له مقرون بوسيلة مختلف فيها، أما الثالثة فتحتاج إلى بيان المطلوب من المنادى، والقدرة التي تنسب إليه، والدليل على جواز مخاطبته بهذا الطلب.
بعد بحث نقل السنة وعدالة الصحابة، تنتقل السلسلة إلى أثر الاعتقاد في الدعاء والتعبد. وتناقش هذه المقالة بعض صيغ التوسل والاستغاثة الواردة في المصادر الإمامية من منظور سني ناقد، يرجح الاقتصار على الوسائل الثابتة، ويعترض على طلب كشف الكرب من الأموات والغائبين على وجه التعبد. مع التنبيه إلى أن الخلاف في بعض الصور قائم داخل التراث السني أيضاً، فلا يصح تقديم كل اختيار في هذا الباب باعتباره إجماعاً.
إفراد الله بالعبادة أصل متفق عليه
تقرر المصادر الإمامية أصل اختصاص الله بالعبادة. ففي محاضرات في الإلهيات يجعل علي الرباني الكلبايكاني توحيد العبادة غاية بعثة الأنبياء، ثم يضع موضع النزاع في تحديد حقيقة العبادة وتطبيقها على الأفعال (الرباني الكلبايكاني، محاضرات في الإلهيات، توحيد العبادة). ولذلك لا تكون المناقشة دقيقة إذا بدأت بدعوى أن الإمامية يصرحون بجواز عبادة الأئمة.
ومن جهة الدليل، يأمر القرآن بإفراد الله بالدعاء، وينهى عن دعاء أحد معه (الجن، 18)، ويقرر قربه وإجابته من دعاه (البقرة، 186). وفي السنة يقول النبي ﷺ: «الدعاء هو العبادة» (جامع الترمذي، حديث 2969). وتبقى المسألة التي تحتاج إلى التحرير هي الفرق بين الدعاء الذي هو عبادة، ومطلق سؤال المخلوق واستعانته بمخلوق آخر.
فالقرآن يذكر استغاثة رجل بموسى في مواجهة خصمه (القصص، 15)، ولا يجعل مجرد طلب العون عبادة للمستغاث به. وبذلك لا يكفي وجود لفظ الاستغاثة للحكم بالشرك، كما لا يكفي تغيير اسم الفعل إلى التوسل للحكم بجوازه. إنما ينظر إلى حقيقة الطلب والسياق الذي ورد فيه.
الوسائل الثابتة في الدعاء
من صور التوسل الواضحة أن يسأل المسلم ربه بأسمائه الحسنى، كما أمر القرآن (الأعراف، 180). ومنه التوسل بالعمل الصالح؛ ففي خبر أصحاب الغار دعا الثلاثة الله بأعمال أخلصوا فيها له، فانفرجت عنهم الصخرة (صحيح البخاري، حديث 2272). فالمسؤول في هذه الصور هو الله، والوسيلة طاعة له أو اسم من أسمائه.
ومن الصور كذلك طلب الدعاء من الحي. وقد روى البخاري استسقاء عمر بالعباس بعد وفاة النبي ﷺ (صحيح البخاري، حديث 1010). ويستدل المانعون من التوسل بالأموات بهذه الواقعة على مشروعية طلب دعاء الحي، ويستأنسون بعدول عمر إلى العباس. لكن الأثر لا يتضمن بلفظه حكماً مفصلاً على كل صورة من صور التوسل، فلا يصح تحميله وحده جميع ما يتنازع فيه العلماء.
وتكشف هذه الأدلة عن أصل عملي مهم: الدعاء المباشر لله مشروع، ولا يتوقف على اتخاذ شخص واسطة في كل حاجة. بل يصرح موقع السيستاني بجواز الدعاء دون ذكر وسيلة، وإن كان يرجح اقترانه بالتوسل بالنبي وأهل بيته، ويستدل بآية مجيء المذنبين إلى الرسول ليستغفر لهم (السيستاني، استفتاء التوسل). فلا يصح نسبة القول بانسداد باب الدعاء المباشر إلى هذا الاستفتاء.
حديث الأعمى وما يثبت به
من أشهر أدلة الباب خبر الرجل الضرير الذي طلب من النبي ﷺ أن يدعو الله لعافيته، فعلمه دعاء يتوجه فيه إلى الله بنبيه، ويسأل قبول شفاعته. وقد وصف الترمذي الحديث بأنه حسن صحيح غريب (جامع الترمذي، حديث 3578). وثبوت الخبر يوجب بحث دلالته، بدلاً من تجاوز النص لمجرد مخالفته تصوراً سابقاً.
تبدأ الواقعة بطلب الدعاء من النبي في حياته، وتنتهي بسؤال الله قبول شفاعته. وهذا السياق يقوي قراءة الحديث بوصفه توسلاً بدعائه وشفاعته للرجل، وهي القراءة التي يرجحها هذا المقال. ويستدل المجوزون أيضاً بصيغة التوجه بالنبي على توسل أوسع؛ وتعرض دار الإفتاء المصرية هذا الاستدلال ضمن فتواها في الاستغاثة (دار الإفتاء المصرية، الاستغاثة بالأنبياء والصالحين).
أما الانتقال من الواقعة إلى جواز كل نداء للأئمة بعد وفاتهم، أو طلب قضاء الحاجات منهم أينما كان الداعي، فيحتاج إلى حجج أخرى تبين وجه التعميم. فالحديث يثبت تعليماً نبوياً في واقعة محددة، ولا يذكر الأئمة الاثني عشر، ولا ينص على قدرة عامة لهم على إجابة نداء الناس. والاعتراض هنا على التوسع في الاستدلال، مع الإقرار بأن تفسير الحديث نفسه من مواضع النزاع.
التوسل بالجاه وطلب الشفاعة
يفرق ابن باز بين سؤال الله بجاه شخص، وبين دعاء الأموات والاستغاثة بهم. فيعد الأول بدعة في الدعاء لا شركاً أكبر، ويحكم على الثاني بالشرك الأكبر في الصور التي يشرحها من طلب النصر وشفاء المرضى ونحو ذلك (ابن باز، التوسل والوسيلة بين المشروع والممنوع). وهذا التفريق يمنع نقل حكمه على إحدى الصورتين إلى الأخرى دون بيان.
وفي المقابل، تجيز دار الإفتاء المصرية طلب الشفاعة من النبي بقول المسلم: «اشفع لنا يا رسول الله»، وتفسره بأنه توسل إلى الله لقبول شفاعته (دار الإفتاء المصرية، طلب الشفاعة). وتجيز في فتواها الأخرى الاستغاثة بالأنبياء والصالحين بضوابط تفسيرها لها. ووجود هذين التقريرين يبين أن رسم المسألة باعتبارها خلافاً بين السنة والإمامية وحدهما غير دقيق.
والاختيار الذي تتبناه هذه المقالة هو ترك سؤال الله بالجاه، التزاماً بالوسائل الثابتة، مع التمييز بين الحكم بعدم مشروعية صيغة وبين إخراج قائلها من الإسلام. أما طلب الشفاعة ممن توفي فيحتاج، عند من يمنعه، إلى دليل يثبت مشروعية هذا الخطاب في هذه الحال؛ فلا يلزم من إثبات أصل الشفاعة إثبات كل طريقة لطلبها.
من طلب الشفاعة إلى طلب كشف الكرب
يرد في مفاتيح الجنان لعباس القمي دعاء التوسل بالأئمة، وفيه «يا وجيهاً عند الله اشفع لنا عند الله». كما يورد دعاء يبدأ بالتضرع إلى الله، ثم ينتقل إلى نداء «يا محمد يا علي»، وطلب «اكفياني فإنكما كافيان وانصراني فإنكما ناصران»، ثم طلب الغوث من صاحب الزمان (القمي، مفاتيح الجنان، دعاء التوسل؛ القمي، مفاتيح الجنان، دعاء صاحب الأمر).
الفرق بين الموضعين مهم؛ فالأول مصرح بطلب الشفاعة عند الله، والثاني يتضمن طلب الكفاية والنصر من المنادى. ولا يجيز ذلك افتراض أن كل قارئ يقصد الاستقلال عن الله، لكنه يوجب سؤالاً عن الدليل على هذا النوع من الطلب. كما أن وجود الدعاء في الكتاب يثبت إيراد القمي له، ولا يكفي وحده للحكم بصحة نسبته إلى إمام؛ فبحث ثبوته غير بحث معناه.
ومن منظور الاتجاه السني المانع، لا يصح قياس هذه الصيغ على الاستعانة بطبيب أو شخص حاضر قادر على المساعدة. فالاستعانة المعتادة لها سبب معروف، بينما نسبة سماع النداءات وإغاثة أصحابها إلى ميت أو غائب في أحوال غير معتادة تحتاج إلى إثبات. والقول بأن الله قادر على منح هذه القدرة يثبت إمكاناً، ولا يثبت وحده وقوعه لشخص معين أو مشروعية دعائه.
هل يكفي نفي الاستقلال عن الله؟
يربط الكلبايكاني حقيقة العبادة بالخضوع الناشئ عن الاعتقاد بألوهية المخضوع له أو ربوبيته أو تفويض تدبير العالم إليه. ويميز ذلك عن تكريمه دون هذا الاعتقاد، وإن كان بعض التكريم محرماً لسبب آخر (الرباني الكلبايكاني، محاضرات في الإلهيات، توحيد العبادة). وبهذا يظهر أساس الاعتراض الإمامي على مساواة التوسل بعبادة المتوسل به.
والرد الذي يرجحه المقال يوافق على أن كل احترام أو طلب ليس عبادة، لكنه يعترض على جعل نفي الاستقلال وحده كافياً لتصحيح طلب الغوث الغيبي. فالقرآن يذم عبادة وسائط اتخذها أصحابها طلباً للتقرب إلى الله (الزمر، 3). وهذه الآية لا تعني أن كل توسل عبادة؛ لكنها تبين أن إرادة القرب إلى الله لا تصحح فعلاً ثبت أنه عبادة لغيره. ولذلك يبقى إثبات طبيعة الفعل ودليله مقدماً على الحكم عليه.
أما الشفاعة، فيقرر القرآن أنها لا تقع إلا بإذن الله (البقرة، 255). فيثبت أصلها، مع بقاء النظر فيمن أذن له، ولمن يشفع، وكيف يطلبها المؤمن. ومن هنا يكون دعاء الله أن يرزق العبد شفاعة نبيه طريقاً واضحاً، دون نسبة تصرف غيبي إلى أحد بغير دليل.
محبة أهل البيت وضبط الدعاء
يمكن مناقشة هذه الصيغ دون تحويل محبة أهل البيت إلى موضع اتهام. فالمناقشة تتعلق بما ينسب إليهم من قدرات، وبما يطلب منهم، وبصحة الأدلة التي يساق بها ذلك. كما أن الحكم على عبارة لا يغني عن فهم قصد قائلها، ولا يمنح كاتب المقال سلطة إصدار أحكام على إيمان الأفراد.
والتصحيح العملي الذي ترجحه هذه القراءة هو أن يتوجه المسلم إلى الله بحاجته، ويسأله بأسمائه وصفاته، ويتوسل إليه بالإيمان والعمل الصالح، ويطلب الدعاء من الحي، ويسأل الله شفاعة نبيه، مع التوقف عن نسبة إجابة النداء وكشف الكرب إلى الأموات والغائبين دون دليل ثابت. وبهذا يبقى النقد متجهاً إلى الاعتقاد والعبارة، وتظل المحبة مقيدة بما تثبت مشروعيته.
وفي الجزء السادس تنتقل السلسلة إلى المهدي والغيبة والرجعة، لبحث الفروق بين أخبار المهدي في المصادر السنية، والاعتقاد الإمامي بالإمام الثاني عشر وغيبته.
