تزداد صعوبة الخلاف العقدي حين تتداول المصطلحات دون تعريف، أو ينسب إلى مذهب كامل كل ما ورد في أحد كتبه. ويظهر ذلك في البداء والتقية والقول بتحريف القرآن؛ إذ تختلط فيها معاني الألفاظ بأحكام الأشخاص، وتتحول الرواية المنقولة أحياناً إلى عقيدة مفترضة، حتى عندما يصرح العالم الذي يناقشها بردها.
بعد بحث المهدي والغيبة والرجعة، تتناول هذه الحلقة ثلاث مسائل تمس العلم الإلهي، والثقة بالخبر، وسلامة المصدر الذي يحتكم إليه المسلمون. والمنظور السني الذي تنطلق منه يثبت كمال علم الله وحفظ القرآن، ويقر رخصة الإكراه، ويعترض على التوسع في التأويل دون قرينة. لكن قوة هذا النقد تتوقف على مواجهة القول الذي يقرره صاحبه، لا قول أشد منه يسهل إبطاله.
البداء ومعنى التغير في العلم
قد يفهم البداء في الاستعمال البشري على أنه ظهور أمر بعد خفائه، وما يتبعه من تبدل الرأي. غير أن المظفر يصرح باستحالة هذا المعنى على الله، وينفي أن تكون الإمامية قائلة بعلم حادث بعد جهل. ويفسر مرادهم بظهور أمر للناس ثم تغير ظاهره، مع سبق علم الله بما سيكون (المظفر، عقائد الإمامية، البداء).
هذه نقطة جوهرية؛ فمن نسب إلى هذا التقرير القول بأن الله اكتشف ما لم يكن يعلمه، فقد ناقش معنى يرفضه النص نفسه. والأصل السني في المسألة واضح في قوله تعالى «لا يضل ربي ولا ينسى» (طه، 52). فلا يتجدد لله علم بسبب اكتشاف خطأ، ولا يخرج شيء من الحوادث عن علمه السابق.
أما وقوع تغير في أحوال المخلوقات، أو ترتب نتيجة على سبب، فلا يستلزم تغير العلم الإلهي. فقد ورد في الصحيح ارتباط صلة الرحم ببسط الرزق والتأخير في الأجل (صحيح البخاري، حديث 5986). ويذكر ابن كثير عند تفسير آية المحو والإثبات أقوالاً في التقدير، ويستشهد بما ثبت في أثر صلة الرحم (ابن كثير، تفسير الرعد، 39). فإثبات الأسباب وآثارها لا يساوي إثبات الجهل ثم العلم.
أين يبقى موضع الاعتراض؟
يستدل المظفر بقوله تعالى «يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب» (الرعد، 39). والآية تثبت المحو والإثبات، لكن حمل كل خبر لم يقع على أنه من هذا الباب يحتاج إلى دليل يبين أن الخبر كان مشروطاً أو متعلقاً بأمر قابل للمحو. فلا يجوز أن يتحول المصطلح إلى جواب جاهز يمنع فحص الأخبار المنسوبة إلى المعصوم.
والتمييز المطلوب هنا بين خبر صرح بشرطه، أو قامت قرينة على شرطه، وخبر جازم لا تدل عبارته على ذلك. فإذا لم يتحقق الثاني، وجب فحص ثبوته ودلالته أولاً، بدل افتراض شرط خفي لمجرد الحفاظ على النتيجة السابقة. وهذا اعتراض على طريقة الاستدلال، ولا يجيز نسبة تغير العلم إلى من ينفيه صراحة.
وتبقى تسمية المعنى الصحيح بالبداء مسألة تحتاج إلى بيان يمنع الإيهام. فالقراءة السنية التي يتبناها المقال تفضل التعبير بالمحو والإثبات والتقدير وأسبابه، مع تقرير سبق العلم. وإذا اتفق الطرفان على هذا الأصل، وجب تحديد ما بقي من الخلاف في الألفاظ أو التطبيقات، دون صناعة خصومة في معنى متفق عليه.
التقية بين دفع الضرر وإخفاء الاعتقاد
يورد المظفر عبارتي «التقية ديني ودين آبائي» و«من لا تقية له لا دين له»، ثم يشرح التقية بدفع الضرر، ويقرر أنها ليست واجبة في كل حال، وأنها قد تحرم إذا أفضت إلى قتل نفس محترمة أو إفساد الدين والإضرار بالمسلمين (المظفر، عقائد الإمامية، التقية). فقراءتها كإذن مطلق بالكذب تتجاوز القيود التي يضعها هذا التقرير.
ولرخصة الإكراه أصل قرآني في استثناء من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان (النحل، 106). ويبين ابن كثير أن الاستثناء يتناول من وافق المشركين بلسانه تحت الإكراه مع بقاء إيمانه (ابن كثير، تفسير النحل، 106). ولذلك لا يصح الاعتراض على كل كتمان للمعتقد عند الخوف، وكأن الشريعة تلزم المكره بإظهار ما يعرضه للهلاك في جميع الأحوال.
لكن ثبوت الرخصة لا يجعل كل موقف مناقض للظاهر تقية مشروعة. فلا بد من تحرير الضرر الذي يبيحها، وحدود ما يجوز دفعه بها، وحقوق الآخرين التي لا تستباح باسمها. وبهذا تنتقل المناقشة من إطلاق الاتهام إلى فحص شروط الحكم وتطبيقاته.
أثر التقية في فهم الأخبار المتعارضة
يمتد البحث إلى تفسير بعض الروايات. ففي فرائد الأصول يناقش مرتضى الأنصاري الترجيح بمخالفة العامة، واحتمال صدور الخبر الموافق تقية، ويفصل بين وجوه الاستدلال وشروطها في الأخبار المتعارضة (الأنصاري، فرائد الأصول، مخالفة العامة). والمقصود بالعامة في هذا السياق المخالفون للإمامية، وليس حكماً بأن كل ما وافق أهل السنة مردود بلا بحث.
ومن المنظور السني، تحتاج دعوى أن جواباً صدر تقية إلى قرينة معتبرة على وجه صدوره. كما أن مجرد موافقته لقول سني لا يثبت أنه خلاف الواقع؛ فالاختلاف المذهبي لا يجعل الصواب ممتنعاً عند الطرف الآخر. وينبغي كذلك تمييز الروايات التي يتعارض مدلولها فعلاً عما يمكن الجمع بينه لاختلاف الحال أو السؤال.
وهنا تظهر صعوبة منهجية: إذا كان قول الإمام يحتمل بيان الحكم أو ستره، فما الضابط الذي يعرف به الباحث أي الاحتمالين وقع؟ وجود مباحث أصولية إمامية لهذا السؤال لا يلغي حق نقد أجوبتها، لكنه يمنع تصوير المسألة وكأن علماءهم لا يلتفتون إليها أصلاً.
وفي المقابل، لا يجوز استعمال التقية لإبطال كل تصريح إمامي لا يوافق تصور الناقد. فإذا نفى عالم تحريف القرآن، فلا يرد نفيه بمجرد القول إنه يتقي؛ لأن هذا الافتراض يجعل إثبات التهمة ونفيها متساويين، ويغلق باب التحقق. يلزم دليل يخص المتكلم والسياق، ولا تكفي هوية المذهب للحكم على صدق الأفراد.
القرآن بين الرواية والمعتقد
يثبت القرآن حفظه في قوله تعالى «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» (الحجر، 9). وهذه قاعدة يرفض المنظور السني بمقتضاها نسبة ضياع شيء من القرآن المنزل المتعبد بتلاوته إلى عمل البشر بعد اكتمال الوحي. كما يرفض إضافة نص إلى المصحف لمجرد وروده في خبر لا تثبت به قرآنيته.
وعند عرض الموقف الإمامي، يصرح المظفر بأن المصحف المتداول هو القرآن المنزل على النبي، وينفي عنه التبديل والتحريف (المظفر، عقائد الإمامية، القرآن). ويقرر الخوئي في البيان أن المعروف بين المسلمين عدم وقوع التحريف، وينقل هذا الموقف عن عدد من علماء الإمامية (الخوئي، البيان، رأي المسلمين في التحريف). فلا يصح نسبة القول بنقص القرآن إلى هذين التقريرين.
لكن هذه التصريحات لا تعني إنكار وجود روايات ظاهرها النقص أو التغيير. فالخوئي نفسه يعرض طوائف منها ويناقشها، ويحمل بعض الزيادات على التفسير، ويقرر طرح ما لا يصح حمله وكان مخالفاً للأدلة على سلامة القرآن (الخوئي، البيان، روايات التحريف). وبذلك يجتمع في المصدر الواحد نقل الرواية ونقدها، فلا يجوز اقتطاع المنقول وإهمال الجواب عنه.
كيف تناقش روايات النقص؟
ينبغي البدء بالسؤال عن ثبوت الرواية، ثم معناها، ثم موقف العالم المحتج عليه منها. فقد ترد عبارة تفسر المراد من آية، ولا تكون دعوى أن التفسير جزء من لفظها المنزل. وقد يكون ظاهر خبر آخر ادعاء التغيير، فيحتاج إلى رد أو تأويل تدل عليه قرينة، ولا تكفي تسميته تفسيراً لإزالة الإشكال.
ويصح للناقد السني أن يطالب ببيان واضح لكيفية التعامل مع كل رواية مشكلة، وأن يناقش التأويل إذا لم يحتمله اللفظ. لكنه لا يصح أن يجعل مجرد وجودها في كتاب دليلاً على إقرار جميع الإمامية بمضمونها. كما أن التصريح بسلامة المصحف لا يعفي صاحبه من معالجة ما يراه معارضاً له في مروياته.
وينطبق هذا الانضباط على المصادر السنية أيضاً؛ فلا تقبل رواية توهم الضياع دون بحث معناها وجمعها مع الأدلة الأخرى. وفي خبر نسخ عثمان المصاحف وإرسالها إلى الأمصار، يذكر البخاري نسخها من الصحف التي كانت عند حفصة (صحيح البخاري، حديث 4987). فالخبر يتحدث عن الاعتماد على أصل مكتوب، ولا يتضمن إذناً بإسقاط ما شاء الناس من الوحي.
ولا بد كذلك من التمييز بين النسخ الذي يقع بوحي في زمن الرسالة، وقد ذكر القرآن أصله (البقرة، 106)، وبين التحريف المنسوب إلى البشر. أما إثبات نسخ معين، أو تفسير رواية على أساسه، فيحتاج إلى حجة تخصه؛ فلا يصبح النسخ اسماً يلحق بكل إشكال دون دليل، كما لا تصبح كل مناقشة في تاريخ النص دليلاً على ضياعه.
ما الذي يبقى محل خلاف؟
تكشف هذه المسائل عن ضرورة فصل الأحكام: فالعلم الإلهي السابق لا ينقضه تغير أحوال الخلق، ورخصة الإكراه لا تبيح كل خداع، والرواية المشكلة لا تصبح معتقداً عاماً لمجرد تداولها. ويبقى النقد السني متوجهاً إلى التطبيقات التي تحمل خبراً على شرط خفي بلا قرينة، أو ترجح قولاً لمجرد مخالفته للمذهب الآخر، أو تؤوّل ادعاء النقص دون دليل يحتمله النص.
وفي المقابل، يقتضي الإنصاف إثبات اتفاق من يصرح بكمال علم الله وسلامة القرآن على هذين الأصلين، ثم بحث ما يناقضهما في رواياته أو استدلالاته. فغاية المقال بيان موضع الخطأ وتصحيحه بالحجة، مع إبقاء الفرق واضحاً بين نقد الفكرة والحكم على أتباع المذهب.
وبهذه المسائل تعود السلسلة إلى ما بدأت به من مصادر التلقي وقواعد الاستدلال. فالموقف من الإمامة والعصمة والناقلين والدعاء والغيب لا ينفصل عن سؤال ثبوت الخبر ودلالته. وكلما كان هذا السؤال حاضراً، صار الخلاف أكثر تحديداً، وأمكن للقارئ أن يعرف ما يثبت بالنص وما يضاف إليه بالتفسير.
